ابن تيميه

214

الرد على الأخنائي قاضي المالكية

[ واجب الموحّد تجاه الملائكة والأنبياء ] والمقصود هنا ، أن اللّه أمرنا أن نؤمن بالملائكة والأنبياء ، وأمر أن لا نتخذهم أربابا ولا نشرك بهم ، ولا نغلو فيهم ، ولا نعبد إلا اللّه وحده ، قال تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ [ البقرة : 136 ] الآية . فأمرنا أن نؤمن بما أوتي جميع الأنبياء ، ولهذا كان الإيمان بجميع ما جاءوا به واجبا ، ومن كفر بنبي معلوم النبوة فهو كافر مرتدّ ، ومن سبّ نبيا كان مرتدا مباح الدم باتفاق الأئمة ، وإنما تنازعوا في قبول توبته . وقد بيّن كفر من يؤمن ببعض ويكفر ببعض ، فقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ [ النساء : 150 ] إلى قوله : أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا [ النساء : 151 ] الآية . وقال تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ [ البقرة : 285 ] الآية . وقال تعالى : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ [ البقرة : 177 ] . وقال تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ البقرة : 4 ، 5 ] ودين الأنبياء واحد وملتهم واحدة ، وهي الأمة ، وإنما تنوّعت شرائعهم ومناهجهم ، كما قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] . وقد افترق اليهود والنصارى ، فاليهود جفوا عنهم فكذّبوهم وقتلوهم كما أخبر اللّه عنهم بقوله : أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [ البقرة : 87 ] والنصارى غلوا فيهم ؛ فأشركوا بهم حتى كفروا باللّه ، قال تعالى : يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ [ النساء : 171 ] إلى قوله : فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً [ النساء : 172 ] الآية . فبالإيمان بهم وتصديقهم وطاعتهم يخرج المسلم عن مشابهة اليهود ، وبعبادة اللّه وحده والاعتراف بأنهم عباد اللّه ، لا يجوز اتخاذهم أربابا ولا الشرك بهم والغلوّ فيهم ، يخرج عن مشابهة النصارى . فإن اتخاذهم أربابا كفر ، قال اللّه تعالى : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [ آل عمران : 80 ] . والنصارى يشركون بمن دون المسيح من الأحبار والرهبان ، قال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] الآية . فمن غلا فيهم واتخذهم أربابا فهو كافر ، ومن كذّب شيئا مما جاءوا به أو سبّهم أو عابهم ، أو عاداهم ، فهو كافر . فلا بد من رعاية هذا الأصل . وهذا المعترض وأمثاله التفتوا إلى جانب التعظيم لهم ، دون جانب التوحيد للّه